محمد بن سلام الجمحي

307

طبقات فحول الشعراء

لبيضاء من أهل المدينة ، لم تعش * ببؤس ، ولم تتبع حمولة مجحد " 1 " [ نعمت بها ليل التّمام ، فلم يكد * يروّى استقائى هامة الحائم الصّدى ] " 2 " وقامت تخشّينى زيادا ، وأجفلت * حوالىّ في برد يمان ومجسد " 3 " فقلت : دعيني من زياد ، فإنّنى * أرى الموت وقّافا على كلّ مرصد " 4 "

--> ( 1 ) بيضاء : نقية من الدنس والعيوب . والبؤس : الفقر والشدة والجوع . والحمولة : ما يحمل الناس عليه من الدواب ، سواء كانت عليها أحمال أو لم تكن . والمجحد : القليل الخير ، من قولهم أجحد الرجل : إذا أنفض وذهب ماله وضاق عيشه . يصف أنها عاشت في نعمة وترف ، لم تنشأ في البؤس والخصاصة ، ولم تمتهن في خدمة الإبل والرحلة مع فقراء التجار . و " مجحد " في المخطوطة ، بفتح الحاء . وروى بعض البيت المرزوقي في الأزمنة والأمكنة 1 : 169 : " لم تذق بئيسا " وهي جيدة ، والبئيس والبؤس واحد . واللسان ( بأس ) . وهي رواية أبى عمرو ، وانظر التكملة للصاغاني 3 : 321 ، 322 . ( 2 ) هذا البيت زدته من الديوان ، لاستواء المعنى به . ليل التمام ( بكسر التاء ) : أطول ما يكون من ليالي الشتاء ، إذا بلغت اثنتي عشرة ساعة فما زاد ، وهي ستة أشهر ، ثلاثة أشهر حين يزيد على اثنتي عشرة ساعة ، وثلاثة أشهر حين يرجع . يقول : نعمت بها ستة أشهر . روى ظمأه : بلغ به الري . استقى من البئر استقاء : أخذ من مائه . يريد ما نال منها من متاع يطفئ ظمأه إليها . والهامة : الروح ، وذلك أنهم كانوا في جاهليتهم يقولون إن روح القتيل الذي لم يدرك بثأره تصير هامة ( وهي طائر ) ، فتزقو عند قبره تقول : اسقونى ! اسقونى ! فإن أدرك بثأره طارت . والحائم : العطشان الذي يحوم حول الماء فلا يجد ما يرده . والصدى : الشديد العطش . يقول : نعمت بها هذا الزمن الطويل ، ومع ذلك لم تزل روحي ظامئة إليها ، لم يطفئ ظمأها ما تمتعت به منها . ( 3 ) خشاه يخشيه : خوفه . أجفل : أسرع واضطرب من الفزع . يمان : منسوب إلى اليمن ، وبرود اليمن من أجود الثياب . والمجسد : ثوب مصبوغ بالزعفران . يعنى أنها فزعت حين سمعت نذير زياد وأنه قد ولى الحجاز ، كما سترى في رقم : 2 ص : 308 ، فقامت جافلة تدور حواليه في ثيابها الرقيقة ، تخوفه عاقبة ما جر على نفسه من سطوة زياد ، وتعجب كيف يطمئن معها على وعيد هذا الجبار . ( 4 ) الوقاف : مبالغة من الوقوف ، يعنى أنه لا يفارق مكانه ، يطيل الوقوف . والمرصد : الطريق ، ومنه قوله تعالى : " وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ " . يقول : دعيني منه ، فما أخافه ، فإن الأجل مكتوب ، والموت يتصدى لمن جاء أجله بكل طريق ، لا مهرب منه . وفي المخطوطة تحت " فا " من " وقافا " : " عا " أي " وقاعا " .